ابن عجيبة
297
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم : خُذِ الْعَفْوَ أي : اليسر من أخلاق الناس ولا تبحث عنها ، أو : خذ من الناس ، في أخلاقهم وأموالهم ومعاشرتهم ، ما سهل وتيسر مما لا يشق عليهم ؛ لئلا ينفروا . فهو كقول الشاعر : خذ العفو منّى تستديمي مودّتى « 1 » . . . . أو : خذ في الصدقات ما سهل على الناس من أموالهم وهو الوسط ، ولا تأخذ كرائم أموالهم مما يشق عليهم ، أو تمسك بالعفو عمن ظلمك ولا تعاقبه ، وهذا أوفق لتفسير جبريل الآتي ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي : المعروف ، وهو أفعال الخير ، أو العرف الجاري بين الناس . واحتج المالكية بذلك على الحكم بالعرف الذي يجرى بين الناس . وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ أي : لا تكافئ السفهاء على قولهم أو فعلهم ، واحلم عليهم . ولمّا نزلت سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جبريل عنها ، فقال : « لا أدرى حتّى أسأل ، فعرج ، ثم رجع فقال : يا محمد ، إنّ اللّه يأمرك أن تصل من قطعك ، وتعطى من حرمك ، وتعفو عمّن ظلمك » « 2 » . وعن جعفر الصادق : ( أمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها بمكارم الأخلاق ) ، وهي على هذا ثابتة الحكم ، وهو الصحيح . وقيل : كانت مداراة للكفار ، ثم نسخت بالقتال . وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ؛ ينخسنك منه نخس ، أي : وسوسة تحملك على خلاف ما أمرت به ؛ كاعتراء غضب ، ومقابلة سفيه ، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ والتجئ إليه ؛ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يسمع استعاذتك ، ويعلم ما فيه صلاح أمرك ، فالاستعاذة عند تحريك النفس مشروعة ، وفي الحديث : أن رجلا اشتد غضبه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّى لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما به ؛ أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم » « 3 » . الإشارة : كل ما أمر به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تؤمر به أمته ، وخصوصا ورثته من الصوفية ، فهم مطالبون بالتخلق بأخلاقه صلّى اللّه عليه وسلّم أكثر من غيرهم ، لأن غيرهم لم يبلغ درجتهم . وقال الورتجبي : خُذِ الْعَفْوَ : أي : فاعف عنهم من قلة عرفانهم حقك ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي : تلطف عليهم في أمرك ونهيك لهم ، فإنهم ضعفاء عن حمل وارد أحكام شرائعك وحقائقك ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ الذين ليس لهم استعداد النظر إليك ، ولا يعرفون حقوقك ، فإنّ منكر معجزات أنبيائي وكرامات أوليائي لا يبلغ إلى درجة القوم . قال بعض المشايخ - حين ذكر أهل الظاهر - : دع هؤلاء الثقلاء . ه . فوصف علماء الظاهر بالثقلاء ؛ لثقل ظهورهم بعلم الرسوم ، فلم ينهضوا إلى حقائق العلوم ودقائق الفهوم ، وفي تائية ابن الفارض :
--> ( 1 ) هذا شطر بيت تمامه : ( ولا تنطقى في سورتي حين أغضب ) وهو لحاتم ، راجع : تفسير أبى حيان ( 4 / 444 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في التفسير ( 9 / 155 ) عن سفيان بن عيينة عن أبي المرادي ، وقال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف : ( هذا منقطع ، وأخرجه ابن مردويه موصولا من حديث جابر وحديث قيس بن سعد ) . انظر تفسير البغوي ( 3 / 316 ) مع حاشية المحقق . ( 3 ) أخرجه بنحوه البخاري في ( بدء الخلق - باب صفه إبليس وجنوده ) ومسلم في ( البر - باب فضل من يملك نفسه عند الغضب ) من حديث سليمان بن صرد .